هويتنا الثقافية بين الثابت والتحول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التربية البيئية هويتنا الثقافية بين الثابت والتحول

مُساهمة  دكتورة_صفاء في الإثنين مايو 19, 2008 2:01 am

بسم الله الرحمن الرحيم

شهدت مصر منذ قيام ثورة يوليو 1952م العديد من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فقد أحدثت الثورة تغييراً جذرياً في بنية المجتمع المصرى ، وغيرت وجه الحياة فى مصر على نحو جذرى ، وأنجزت الكثير من مبادئها الأساسية ، ومنها : التحرر من الاستعمار والاستبداد ، والقضاء على الاقطاع ، وإقامة عدالة اجتماعية ، وتعميم مجانية التعليم فى كل المراحل التعليمية ،وتحقيق الوحدة الوطنية ، والمناصرة المستمرة للشعوب العربية ، ووضع لبنات ممارسة الديمقراطية ، وتحديث بنية المجتمع المدني ، وبناء مؤسسات الدولة 0 ومنذ ذلك الحين شهدت مصر تحولات كمية وكيفية في مجال التعليم والثقافة ، وخرجت مصر من عزلتها وانفتحت على الثقافات الانسانية الأخرى ، مما نتج عنه تراكماً معرفياً وثقافياً عظيماً شكّل إضافة وثراءً وغناءً لهويتنا الثقافية الوطنية . وكذا فقد شهدت مصر كغيرها من دول العالم التطور التقني العالمى في مجال الاتصالات والمعلومات، والتنوع فى مجالات المعرفة الإنسانية، وإنتاجها ، وما صاحبه من تغيرات في هويات الشعوب ، ورموز تلك الهويات 0 ويعد موضوع الهويات الثقافية من الموضوعات المهمة والحيوية التى تحتاج إلى المزيد من الدراسة والتحليل ، فثمة علاقة جدلية مستمرة بين مفهومي الهوية والعولمة، فالعولمة تعني ذوبان الخصوصية ، والانتقال من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلّي، ومن المحدود إلى الشامل، أما الهوية فهي الانتقال من العام إلى الخاص، ومن الشامل إلى المحدود . والهوية الثقافية هي تلك الحصيلة المشتركة من العقيدة الدينية واللغة ، والتراكم المعرفي ، وإنتاجات العمل ، والفنون والآداب ، والتراث والقيم ، والتقاليد والعادات والأخلاق ، والتاريخ والوجدان، ومعايير العقل والسلوك، وغيرها من المقوّمات التي تتمايز في ظلها الأمم والمجتمعات 0 ومن ثم فإن العولمة هى محاولة لتنميط العالم وتوحيده ، مما يجعلها تشكل خطراً على هوية المجتمعات الثقافية ؛ لأنها تسعى إلى إلغاء هذه الهويات مقابل فرض نمط حضارى يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات على بلدان العالم أجمع ، أى أن الاستعمار بثوبه الجديد أصبح يستخدم الهوية الثقافية كوسيلة فاعلة ، للهيمنة على العالم ، وذلك بتفكيك الهويات الوطنية إلى كيانات صغيرة متصارعة ، وبذلك نلحظ وجود تطورا فى مخططات التفتَيت للمجتمع العربي ، فقد تجاوز الأبعاد السياسية والجغرافية إلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية والفكرية والروحية ، وتأتي العولمة لتحقيق هذه الأهداف ، فهي عولمة حضارية ، تعبر فقط عن ثقافة أمة بعينها أو ثقافة مجموعة من الأمم ، فليس هناك كما يعتقد البعض ثقافة عالمية واحدة،وإنما توجد ثقافات متعددة متنوعة .‏ ولما كان المجتمع العربي فى تكوينه الثقافي والحضاري ، ومشكلاته وقضاياه مختلفاً عن مجتمعات الغرب ، لذا فإن النظام الأمريكي يعمل على تدمير البنى الثقافية للبلدان العربية من خلال تدمير بناها المجتمعية ، وعزل الثقافة عن الواقع ، وتهميش المثقف ، والحد من فاعليته في حياة مجتمعه، لذا فإن العولمة في هذا الاتجاه أصبحت تحمل في طياتها نوعاً من الغزو الثقافي، لأن العولمة الثقافية لا تعني مجرد صراع الحضارات أو ترابط الثقافات، بل إنها توصي أيضاً باحتمال نشر الثقافة الاستهلاكية والشبابية عالمياً . والخطورة في هذه الثقافة تكمن في محاولتها لدمج العالم ثقافياً متجاوزة بذلك كل الحضارات والمجتمعات والبيئات والجنسيات والطبقات.‏ وللخروج من هذا المأزق ينبغى على المجتمعات العربية أن ترسم لنفسها منهجا لمواجهة ظاهرة العولمة من خلال ترسيخ مفاهيم القومية والوطنية والعربية ، والتصدى لمخططات التفتيت والتجزئة للوطن العربي من خلال فض النزاعات العربية ، وتحقيق الوحدة العربية ، وإقامة منظومة أمنية إقليمية عربية ، وصياغة استراتيجية عربية لمواجهة الضغوط التي تفرضها العولمة اليوم على العالم أجمع ، وتأكيد ثوابت الهوية الوطنية والقومية، من خلال تأكيد الذات الوطنية والقومية والعربية ، وهويتها وأهدافها ، ورؤاها للمستقبل ، ثم الانفتاح على الآخر من خلال تحديد شروط التعامل مع الآخر من جهة أخرى 0 خاصة وأن اشكالية الهوية تنتج عن وجود صراعاً بين قطبين رئيسيين : أولهما : الاعتراف بالآخر ، وإلغاء الهويات الوطنية أو القومية ، أما ثانيهما : فينطلق من تأكيد الذات ، وعدم الاعتراف بالآخر . وكلاهما يشكلان خطرا على مستقبل الأمم ، بينما يتحدد الحل الأمثل لمواجهة اشكالية الهوية فى الاعتراف بالتميز والتفرد في كل هوية شخصية أو جماعية ، مع تشجيع التواصل والانفتاح على الآخر . ذلك لأن وجود الآخر يشكل شرطاً أساسياً لوجودي 0 وهو ما تدعمه مقولة سارتر «ان شعوري بفرديتي يقتضي شعوري بالآخر، فالوجود من أجل الآخر يعد مرحلة من مراحل تطور الذات، وطريق الوجود الباطني يمر بالآخر " .
والله الموفق ،،،
avatar
دكتورة_صفاء
Admin

المساهمات : 96
تاريخ التسجيل : 24/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://social-studies74.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى